الآلوسي

40

تفسير الآلوسي

والتنصيص على الأمر بالتقول مع دخوله فيما سبق للاهتمام بشأنه ، ومفعول العلم محذوف أي - ما لا تعلمون - الإذن فيه منه تعالى ، والتحذير عن ذلك مستلزم للتحذير عن التقول عليه سبحانه بما يعلمون عدم الإذن فيه كما هو حال كثير من المشركين استلزاماً ظاهراً ، وظاهر الآية المنع من اتباع الظن رأساً لأن الظن مقابل للعلم لغة وعرفاً ، ويشكل عليه أن المجتهد يعمل بمقتضى ظنه الحاصل عنده من النصوص فكيف يسوغ اتباعه للمقلد ؟ ! وأجيب بأن الحكم المظنون للمجتهد يجب العمل به للديل القاطع وهو الإجماع ، وكل حكم يجب العمل به قطعاً علم قطعاً بأنه حكم الله تعالى : وإلا لم يجب العمل به قطعاً ، وكل ما علم قطعاً أنه حكم الله تعالى فهو معلوم قطعاً ، فالحكم المظنون للمجتهد معلوم قطعاً وخلاصته أن الظن كاف في طريق تحصيله ثم بواسطة الإجماع لي وجوب العمل صار المظنون معلوماً وانقلب الظن علماً ، فتقليد المجتهد ليس من اتباع الظن في شيء ، وزعم ذلك من اتباع الظن وتحقيقه في الأصول . * ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ ) * * ( وَإذَا قيلَ لَهُمُ اتَّبعُواْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ ) * الضمير للناس والعدول عن الخطاب إلى الغيبة للتنبيه على أنهم لفرط جهلم وحمقهم ليسوا أهلاً للخطاب بل ينبغي أن يصرف عنهم إلى من يعقله ، وفيه من النداء لكل أحد من العقلاء على ضلالتهم ما ليس إذا خوطبوا بذلك ، وقيل : الضمير لليهود وإن لم يذكروا بناءاً على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن الآية نزلت فيهم لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام ، وقيل : إنه راجع إلى من يتخذ أو إلى المفهوم من أن الذين يكتمون ، والجملة مستأنفة بناءاً على ما روي أنها نزلت في المشركين ، وأنت تعلم أن النزول في حق اليهود أو المشركين لا يقتضي تخصيص الضمير بهم ، وقد شاع أن عموم المرجع لا يقتضي عموم الضمير كما في قوله تعالى : * ( والمطلقات يتربصن ) * وقوله تعالى : * ( وبعولتهن أحق بردهن ) * على أن نظم القرآن الكريم يأبى هذا القيل ؛ والموصول إما عام لسائر الأحكام الحقة المنزلة من الله تعالى ، وإما خاص بما يقتضيه المقام * ( قَالُواْ بَلْ نَتَّبعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْه ءَابَاءَنا ) * أي وجدناهم عليه ، والظرف إما حال من - آبائنا ، وألفينا - متعد إلى واحد ، وإما مفعول ثان له مقدم على الأول . * ( أَوَ لَوْ كَانَ ءابَاؤُهُمْ لاَ يَعْقلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ) * جواب الشرط محذوف أي - ول كان آبائهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين ولا يهتدون إلى الحق لاتعبوهم - والواو للحال أو للعطف ، والجملة الشرطية إما حال عن ضمير * ( قالوا ) * أو معطوفة عليه ، والهمزة لإنكار مضمون تلك الجملة وهو التزامهم الاتباع على تقدير ينافيه وهو كونهم غير عاقلين ولا مهتدين المستلزم لالتزامهم الاتباع على أي حال كانوا من غير تمييز ، وعلم بكونهم محقين أو مبطلين وهو التقليد المذموم - ويتولد من ذلك الإنكار التعجيب - وجوز أن تكون الجملة حالاً عن ضمير جملة محذوفة أي أيتبعونهم في حال فرضهم غير عاقلين ولا مهتدين - وأن تكون معطوفة على شرط مقدر أي - يتبعونهم لو لم يكونوا غير عاقلين ، ولو كانوا غير عاقلين ، وإلى الأول : ذهب الزمخشري ، وإلى الثاني : الجرمي ، ولا يخفى أنه على تقدير حذف الجملة المتقدمة لا يحتاج إلى القول بحذف الجزاء ، ولعل ما ذكر أولاً أولى لما فيه من التحرز عن كثرة الحذف وإبقاء * ( لو ) * على معناها المشهور ، والهمزة الاستفهامية على أصلها - وهو إيلاء المسؤول عنه - وكون المعنى يدور على العطف على المحذوف في أمثال ذلك في سائر اللغات غير مسلم ، واختار الرضى أن - الواو - الداخلة على كلمة الشرط في مثل هذا اعتراضية ، وعني بالجملة الاعتراضية ما يتوسط بين أجزاء الكلام ، أو يجيء آخره متعلقاً به معنى مستأنفاً لفظاف ، قيل : وفي الآية دليل